الشيخ محمد هادي معرفة
438
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فيها . فكذا ينبغي أن لا يُرتاب في أنّ الفلاح في تزكية النفس ، والخيبة في ترديتها . فما أبدعه من تشبيه رائع ! رعاية المناسبة القريبة وهنا نكتة دقيقة قد تُلفت النظر ، هي رعاية المناسبة القريبة بين المقسم به والمقسم عليه ، « 1 » زيادةً على التناسب في أصل الثبات والاستحكام . الأمر الذي نلحظه في القَسَم القرآني بوضوح : خذ لذلك مثلًا قوله تعالى : « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . . . » « 2 » . في هذه الآيات إشارة إلى أهمّ مهابط وحي اللّه : جبل القدس ، طور سيناء وغار حراء . كانت مباعث أنبياء عظام : عيس المسيح ، موسى الكليم ونبيّ الإسلام عليهم السلام . هذا في طرف المقسم به ، أمّا المقسم عليه فهو خَلْق الإنسان في جبلّته الأولى ، سليما ، سويّا ، مفطورا على أحسن تقويم . فكما أنّ الانحراف في شرائع اللّه ، أمر عارض معاكس لنشأتها الأولى ، كذلك الانحطاط في خُلُق الإنسان ، أمر غريب عن فطرته الأولى الّتي خلقه اللّه عليها . فليعمل الإنسان للثبات على فطرته ، جاهدا دون الانخراط في حبائل الشيطان . وقوله تعالى : « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » « 3 » . كانت المناسبة ظاهرة بين ربوبيّته تعالى للكائنات ، وأنّ الرزق مقسوم من السماء من عند ربّ السماء والأرض . وقوله تعالى : « قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ » « 4 » . فالتناسب هنا تناسب الضدّ ، نفيا للشرك في العبوديّة والربوبيّة لغير اللّه ربّ العالمين .
--> ( 1 ) - بمقتضى كون القسم نوعا من التشبيه الكامل ، والتناسب أساس التشبيه . ( 2 ) - التين 1 : 95 - 5 . ( 3 ) - الذاريات 22 : 51 - 23 . ( 4 ) - الأنعام 23 : 6 .